سراج سراج - الإحسان ج 2

المجتمع البشري كيان سياسي، أي تركيب تحكمُه علاقات المصلحة والعُنْف والحيلة، فكيف يتصرف جند الله المتحلّيْنَ بالعفة والقناعة والرفق والصدق وسط التيارات السياسية وإزاءَ خِضَمِّ الأحداث العالمية التي تسوقها وتسيطر عليها القيمُ الجاهلية المادية، وهي مصلحةٌ كلها، وعنفٌ، وحيلةٌ؟

إن استراتيجية التغيير الإسلامي، كما نقرأها في السيرة النبوية وفي القرآن الكريم، تتأسس على إرادة جماعة مجاهدة مبنية بناء خاصا، ثم إذا تغيرت النفوس الفردية في الجماعة وتقوت في الإيمان والإحسان إلى أن تكون، عن استحقاق، معنيَّةً بقول الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصبح القرآن برنامَجَها ونظامها المقترَح وأسلوبَها، وأصبح موقعُ النظُم الجاهلية والأساليب والخُطَطِ منها موقعَ الكفر من الإيمان، وموقعَ عصيان الله من الطاعة له ولرسوله، وموقع العنف من الرفق.

ونفس القرآن والسنة الآمران بالرفق والصبر ومجاهدة النّفس يأمران بالجهاد والغلظة على المنافقين، والشدةِ على الكافرين. نفسُ الدين الذي حث على الأخوة بين المؤمنين، والبِرِّ بالمسلمين، والرحمة بالخلق أجمعين، وبَّخَ الناكصين عن قتال المستكبرين، القاعدين عن نصرة المستضعفين.

توازن الشخصية المؤمنة المحسنة يُنْسَجُ على منوال المعادَلة بين ضبط النفس وإنصاف الغير. إن كان ضبط النفس بلجامِ الشرع شرطا لرقِيِّ الإنسان في مراتب الإحسان فهو في نفس الوقت عطاء جانبي، يضْمنُ كفَّ الأذى عن الناس، ويضمن نهوض المؤمن لصد العدوان والظلم عن الغير، ويضمن إيصالَ النفع إليهم بدافع إحساني تَبَرَّأَ صاحبُه من الأنانية والشهوانية والغضبية.

في الفصل الأخير من هذا الكتاب أتحدث إن شاء الله عن الجهاد. والصورة اللاصقة بأذهان الجاهلين بالإسلام هو أنه دين السيف والعنف والإكراه. فأريد هنا

الإحسان ج 2

الإحسان ج 2